عشق الليالي

عشق الليالي (http://www.ishqalyali.com/vb/index.php)
-   ♫ليالي الصحابة الكرام والتابعين ♫ (http://www.ishqalyali.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   حديث القرآن العظيم عن صحابة النبي الكريم (الجزء الثالث) (http://www.ishqalyali.com/vb/showthread.php?t=97344)

ملكة الحنان 07-31-2023 03:08 AM

حديث القرآن العظيم عن صحابة النبي الكريم (الجزء الثالث)
 


حديث القرآن العظيم عن صحابة النبي الكريم

(الجزء الثالث)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].
أيها المسلمون، لقد تحدَّثنا في خطبتين سابقتين عن حديث القرآن عن صبر الصحابة وهجرتهم، وجهادهم، وحسن صفاتهم، وثناء القرآن على جميل شمائلهم وأعمالهم.
وفي هذه الخطبة- بعون الله- سنكمل الحديث عنهم بذكر حديث القرآن عن شهادته لهم بالإيمان، وحسن جزائه لهم على ذلك في الدنيا والآخرة.
أيها المؤمنون، إن الإيمان حلية جميلة، وصفة حسنة جليلة، ودرجة راقية في معراج نيل رضوان الله وعطائه، واستحقاق مدحه وثنائه، فمن ناله ومات عليه فما أعظم ما سيلقى عند الله من التكريم، ونيل الفوز العظيم!
ولقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أسمى مراتبه، وأجمل رياضه، وكيف لا يكونون كذلك؟! وهم قد استقوا ماءه من مَعِينه العَذْب الرقراق، وسلسبيل نميره الرويِّ الدَّفَّاق، أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولًا وفعلًا بلا واسطةٍ، فصاروا بالإيمان يُعرفون، وبه يحيون، وإليه يدعون فيما يقولون ويفعلون.
وهذا كتاب الله العزيز يصفهم بالإيمان، ويشهد لهم به في مقامات كثيرة، ومن أحسن من الله شهادةً وحكمًا؟!
فقد ذكرهم الله تعالى بوصف الإيمان عندما تحدَّث عن كذب المنافقين في دعوى الإيمان التي يظهرونها أمام الصحابة ويخالفونها إذا غابوا عنهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 14، 15]، وذكرهم بوصف الإيمان عند الحديث عن تمنِّي أهل الكتاب ردهم عن إيمانهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: 109].
وجعل الله تعالى إيمان الصحابة هو النموذج الأرقى الذي مَن آمن مثله فقد نال تمام الهدى؛ فقال تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ [البقرة: 137].
وشهد لهم بالإيمان في مقام تنظيم رسول الله صفوفَهم قبيل غزوة أُحُد؛ فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 121].
ووصفهم بالإيمان حين ذكَّرهم بنعمته عليهم بإمدادهم بالملائكة في غزوة بَدْر؛ فقال تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ [آل عمران: 124].
وذكرهم بوصف الإيمان وزيادته حين بلَغهم أن المشركين يريدون الرجوع إليهم لاستئصال شأفتهم عقب غزوة أُحُد؛ فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173].
ونعتهم بنعت الإيمان عندما أخبر أن اليهود جعلوا المشركين أهدى سبيلًا منهم؛ فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾ [النساء: 51].
ووصفهم بالإيمان حين تحدَّث عن غزوة حُنَين، وما منَّ الله به على رسوله وعليهم في هذه الغزوة؛ فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 26].
وذكرهم بوصف الإيمان في مقام بيان أن الله كافٍ رسولَه، وكافيهم شرَّ أعدائهم، وفي مقام أمر رسوله لهم بالقتال؛ فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنفال: 64، 65].
ونعتهم بالإيمان عندما تحدَّث عن غزوة الأحزاب وحالهم فيها: ففي مقام التذكير بنعمة التأييد بالملائكة قال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 9].
وفي مقام الحديث عن شِدَّة ما لقُوا من البلاء قال: ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 11].
وفي مقام رؤية الأحزاب المتحزِّبة على المدينة قال: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22].
وفي مقام الإخبار عن صدق الوفاء بالعهد في صدق اللقاء عند قتال أعداء الله، قال في أنس بن النضر وأمثاله: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23].
ونعتهم بالإيمان وزيادته عندما تحدَّث عن إنزال الطُّمَأْنينة على قلوبهم يوم الحديبية لما استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله؛ فقال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 4].
وفي سورة الحجرات بيَّن أنه تعالى قد حبَّب إليهم الإيمان ورسَّخه وحسَّنه في قلوبهم فضلًا منه ونعمة؛ فقال تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الحجرات: 7، 8].
وفي سورة الحشر وصف المهاجرين والأنصار بالإيمان وسابقتهم فيه؛ فقال: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾[الحشر:9-10].
أيها الإخوة الكرام، إن صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام لما كانوا أوعيةَ الإيمان، وأهل التقوى والإذعان لله ولرسوله؛ فإن الله تعالى جازاهم في الدنيا بخيرات كثيرة، ومنها: أنه قد دافع عنهم، فدفع عنهم سيوف المشركين واليهود أن تستأصلهم، وردَّ عنهم قيل المنافقين فيهم.
ففي نصره لهم على الكُفَّار: أذن لهم بالقتال ووعدهم بالنصر فيه، ووفَّى لهم سبحانه؛ فقال تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 39، 40].
وحين حثَّهم على الجهاد ووعدهم عليه المغفرة والجنة، وعدهم أيضًا بالنصر والفتح، وأنجز لهم ذلك؛ فقال تعالى: ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الصف: 13].
وفي غزوة بدر التي هي يوم الفرقان الذي علت عقبه رايةُ الإسلام خفَّاقة في سماء العِزِّ والمجد، نصرهم الله سبحانه وهم قِلَّة أمام كثرة، وقد تحدَّث عن هذا النصر والتذكير به في سورتي آل عمران والأنفال: ففي آل عمران ذكَّرهم بالنصر والتأييد بالملائكة، وجعل ذلك سببًا لتبشيرهم وطمأنة قلوبهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 123 - 126].
وفي سورة الأنفال بيَّن جل وعلا استجابته لاستغاثتهم، وتأييدهم بالملائكة، والنعاس، والمطر، وإرهاب قلوب عدوِّهم منهم، والمنِّ عليهم بالغنائم؛ فقال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الأنفال: 9 - 12]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: 26].
وفي سورة الأحزاب ذكَّرهم بنصره لهم يوم الخندق، وإنجائهم من ذلك البحر الهائج من المشركين الذين بلغوا عشرة آلاف؛ فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 9].
وفي سورة الفتح ذكر الله تعالى وعده الكريم لهم في الحديبية بالفتوح الكبيرة، والغنائم الكثيرة، وجعل في قلوب عدوِّهم المهابة منهم؛ فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا * وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [الفتح: 18 - 22].
وأما دفاع الله سبحانه عن صحابة رسوله عمَّا قاله المنافقون فيهم من الهمز واللمز، فقد ذكره تعالى في سورتي البقرة والتوبة: ففي سورة البقرة وَصَمَ المنافقون الصحابةَ رضي الله عنهم بالسفه - وهو ضعف الرأي وقلة المعرفة- فردَّ الله على المنافقين ذلك بأبلغ ردٍّ وأحكمِه، وجعل ذلك الوصف مقصورًا عليهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 13].
وفي سورة التوبة ذكر تعالى أن المنافقين يسخرون من متصدِّقي الصحابة، فردَّ الله عليهم سخريتهم، وتوعَّدهم بالعذاب الموجع؛ فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 79].
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما سمعنا، قلتُ ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، الواحد الأحد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أيها المسلمون، لقد آمن الصحابة رضي الله عنهم وصبروا على البلاء، وصابروا جميع قوى الأعداء، وجاهدوا في الله حق جهاده، وهاجر المهاجرون منهم ابتغاء وجهه، وآوى الأنصارُ رسولَ الله والمسلمين ونصروهم، وواسوهم وكفوهم، وأثنى الله على جمع الصحابة في كتابه على أعمالهم الجليلة، وصفاتهم النبيلة الجميلة، وشهد لهم بالإيمان، ودافع عنهم جموع الكفر والطغيان، فهذا ما كان منهم ولهم في الدنيا.
فماذا لهم في الآخرة عند الله تعالى؟
إذا تأمَّلنا في القرآن الكريم سنجد أنه قد ذكر ما لهم في الآخرة من الجزاء الحسن، والثواب الكريم، فمن جزاء الله العظيم للصحابة الذي ذكره:
• المغفرة لذنوبهم؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: 74].
وقد أمر الله رسوله بالاستغفار لهم؛ فقال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 62]، وقال: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159].
وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعا لهم بالمغفرة؛ فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ، وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللهُمَّ، لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ)) [1].
• ومن جزاء الله للصحابة على حسن بلائهم: الفوز والفلاح؛ قال تعالى: ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 88، 89]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التوبة:20-22].
• ومن جزاء الله للصحابة رضي الله عنهم: رضا الله عنهم، ودخول الجنة، والنجاة من النار:
قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18]، وقال سبحانه: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100]، وقال جل وعلا: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ [آل عمران: 103]، وقال تبارك وتعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 10]، والحسنى: الجنة.
فيا معشر المسلمين، هذا حديثُ قرآننا عن أصحاب نبيِّنا، فمن خلاله عرَفنا فضلهم عند الله سبحانه، فمن كان موقنًا بذلك فليزد إيقانَه، ومن كان عنده شيء من الأضغان فليزلْ أضغانَه، فهذا فضلهم قد تلونا من القرآن برهانَه، فما بقي إلا الانقياد لكتاب ربنا العزيز، فهو الحجة التي لا خلاف فيها، والدليل الذي يجب التسليم له عند كل مسلم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ"[2].
نسأل الله تعالى أن يُصلِح قلوبنا، ويُذهِب سخائم صدورنا، ويُنير آفاق عقولنا، هذا وصلوا وسلموا على خير البشر.

[1] متفق عليه.
[2] رواه أحمد بإسناد حسن.






مهره 07-31-2023 01:04 PM

جزاك الله خير
ورزقك الجنان

خفوق الروح 07-31-2023 03:48 PM






ألف شكر لك على هذا الطرح المميز
تسلم الانامل على الذوق الرفيع
و الابداع والتميز يعطيك الف عافية
ولا تحرمينا من ابداعاتك وتميزك المتواصل
فنحن بانتظار جديدك الرائع والجميــــــل
كوجودك المتواصل والجميل معنا
دمت ودام لنا تميزك
لروحك أكاليل الورد

مع تحياتي
خفوق الروح

https://upload.3dlat.com/uploads/13612773802.gif





روح انثى 08-02-2023 12:06 AM

جزاك الله خيراً على انتقائك القيم
وجعلها ربي في ميزان حسناتك
وفي انتظار المزيد


http://investigate-islam.com/fwasel/29.gif

أنفآس غاليهآ 08-02-2023 08:10 AM

جزاك الله خيراً وعم بنفعه الجميع
وجعله بميزان حسناتك

ناعسة الطرف 08-02-2023 01:09 PM

شكرا جزيلا على حسن الإنتقاء وروعة الطرح
وجزاكم الله خيرا
ودي مع وردي



أصاايل 08-06-2023 08:27 AM

طرح راائع
الله يجزااك كل خير
جعله في ميزان حسنااتك بارب

أمير المحبه 08-07-2023 01:49 AM

جزاك الله خيرا
يعطيك العافيه يارب
اناار الله قلبكك بالايمــــــــان
وجعل ماقدمت في ميزان حسناتكـ
لكـ شكري وتقديري

عشق الليالي 08-15-2023 05:09 AM






rhttps://upload.3dlat.com/uploads/3dl...f1f948f715.gif] http://www.3odny.com/vb/images/smilies/216.gifhttp://www.3odny.com/vb/images/smilies/216.gif
سلمت كفوفك
لطيب الجهد وَ تمُيز العطاء
لاحرمنا الله روائِع مجهوداتك
لقلبك الفرح و السرور الدائم

عشق الليالي

https://upload.3dlat.com/uploads/3dl...f1f948f715.gif


انشودة المطر 08-28-2023 09:34 PM

جزاك الله خير الجزاءونفع بك على الطرح القيم
وجعله في ميزان حسناتك
وألبسك لباس التقوى والغفران


الساعة الآن 09:46 AM

 »:: تطويرالكثيري نت :: إستضافة :: تصميم :: دعم فني ::»

Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2011-2012
new notificatio by 9adq_ala7sas